الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
438
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
جاءهم النبي وادعى وجوب إطاعته على الأمة فمن البين أنه لا يجب عليهم اتباعه في أوامره ونواهيه وما يخبرهم به من أحكامه تعالى إلا بعد ثبوت نبوته كيف ولو وجب عليهم ذلك بمحض الادعاء لوجب طاعة سائر المدعين للنبوة وهو مخالف للنّص فنقول إنه إذا دعي النبوة وأراد إقامة الحجة بإبداء المعجزة ليجب عليهم اتباعه صح للأمة أن يقولوا لا يجب علينا النظر في معجزتك ليتبين لنا صحة نبوتك إذ وجوب النظر إليها مما لا يثبت إلا بقولك وكل ما لا يثبت إلا بقولك حجة علينا إلا بعد ثبوت نبوتك وإذا لم يقم حجة علينا قبل ثبوت نبوتك لم يرد علينا ذم ولا عقوبة من جهة تركه فلا يجب الإتيان به ومعه لا يثبت ما يتوقف من وجوب الاتباع وهو ما ذكر من الإقحام أو يقال وجوب النظر إلى معجزتك يتوقف على حجية قولك وحجية قولك يتوقف على ثبوت نبوتك وثبوت نبوتك يتوقف على النظر إلى معجزتك فتوقف وجوب النظر إلى معجزتك على حصول النظر إلى معجزتك وهو واضح الفساد وبما قررنا يتبين ضعف ما قد يورد في المقام من أن النظر في المعجزة لا يتوقف على وجوبه فلا مانع من حصول النظر مع وجوبه لما عرفت من أن الإقحام ليس من جهة عدم التمكن من النظر مع وجوبه ولزوم دور هناك بل المقصود أنه يجوز للأمة ترك النظر من غير حصول ذم أو ترتب عقاب عليهم إذ لو وجب الإتيان به لكان ذلك بقول النبي صلى اللَّه عليه وآله بعد ثبوت نبوته بالنظر المفروض وإذا كان النظر إلى المعجزة جائزا كان إقحاما للنبي صلى اللَّه عليه وآله هذا على التقدير الأول وعلى التقدير الثاني فاللازم منه توقف وجوب النظر في المعجزة على حصول وهو فاسد إذ لا يقبل وجوب الشيء بعد حصوله نعم لو أخذ في المقدمات توقف النظر على وجوبه أو حكم بكون النظر في المعجزة متوقفا على صدق النبي صلى اللَّه عليه وآله في دعواه وصدقه في دعواه متوقفا على النظر في المعجزة أو قيل بكون الحكم بوجوب النظر في المعجزة متوقفا على الحكم بصدق النبي صلى اللَّه عليه وآله في دعواه متوقفا على وجوب النظر في المعجزة ليكون المقصود إيراد دور في المقام ليكون النظر في المعجزة متوقفا على النظر في المعجزة أن يتوقف وجوبه على وجوبه إذ الحكم بوجوب النظر على الحكم بوجوبه صح الإيراد لكن ليس كذلك لوضوح فساد الدعوى المذكورة فلا يخلو لتوهم الدور متوقفا لوضوح كون أحد الطرفين وجوب النظر أو الحكم بوجوبه والطرف الآخر الذي ينتهي إليه التوقف نفس النظر نعم يمكن إيراد الدور في مقام الإقحام بوجه آخر مرجعه إلى الدليل السابق وهو أن يقول علمي بأنك صادق في دعوى النبوة يتوقف على علمي بعدم صدور المعجزة على يد الكاذب وعلمي بذلك يتوقف على علمي بأنك صادق إذ المفروض كون الحسن والقبح شرعيين فيلزم توقف العلم بكونه صادقا على العلم بكونه صادقا ويورد على هذه الجهة بوجهين أحدهما النقص بورود ذلك على القول بالتحسين والتقبيح العقليين أيضا إذ حكم العقل بوجوب النظر في الدليل الدال عليه إذ ليس الحكم به بديهيا كيف والحكم بوجوب النظر فيها إنما هو من جهة استفادة العلم منها لصدق المدعى فيتوقف الحكم بوجوبه على كون إظهار المعجزة مفيدا للعلم بصدق المدعى حتى يكون النظر إليها مفيدا للعلم بصدورها منه فيفيد ذلك بانضمام ما دل على كون إظهار المعجزة للعلم بالصدق يتوقف على أمور حسبما مرت الإشارة إليها من وجود الصانع وعلمه وقدرته وحكمته بل عموم علمه للجزئيات وكذا عموم قدرته وكل هذه مطالب نظرية يتوقف على إقامة الدليل وقد تكفل بها الكتب الكلامية فبعد إثبات ذلك بالبرهان تبين بانضمام بعض المقدمات الخارجية وجوب النظر في المعجزة فنقول حينئذ على طبق في الاحتجاج أن الأمة أن يقولوا قبل النظر في ذلك أنه لا وجوب عينا إلا بعد حكم العقل بالوجوب فلا يجب علينا النظر في المعجزة إلا بعد حكمه بوجوبه والمفروض أنه نظري فلما يحكم به العقل قبل النظر دليله وفيه الإقحام وبطريق أخصر إنما لا ننظر حتى يجب علينا النظر ولا يجب علينا النظر حتى ننظر وربما يتخيل لزوم الدور في المقام وهو وهم إذ ليس من الدور في شيء وإنما يقضي ذلك بعدم وجوب النظر عليهم قبل النظر في الدليل الدال على وجوبه وهو قاض بالإقحام نظير ما قرره المستدل في المقام وثانيهما الحل بظهور الفرق بين وجوب النظر في الواقع بوجوبه على الناظر فقوله إن ما لا يثبت إلا بقولك لا يقوم حجة إلا بعد نبوة نبوتك إن أراد به عدم قيامه حجة بحسب الواقع إلا بعد ثبوت نبوته في الواقع فممنوع ولا ربط له بعدم وجوب النظر إلى المعجزة قبل قيام الدليل عليه في الظاهر وإن أراد عدم قيام حجة في الواقع إلا بعد إثبات ثبوته علينا وإقامة الحجة عليها عندنا فهو ممنوع بل فاسد لوضوح وجوب اتباعه في الواقع بمجرد صدقه في دعواه حكم الشرع هناك بالوجوب غاية الأمر أنه قبل النظر يكون جاهلا بحكمه والجهل لا يستلزم رفعه كما أن الجهل بحكم العقل قبل النظر في الدليل لا يقضي بعدم الوجوب وبذلك يندفع ما ذكر في النقض المذكور فإن وجوب النظر في المعجزة فرع حكم العقل واقعا بالوجوب لا بحكمه لا يستلزم ذلك وجوب اتباع كل من ادعي النبوة إنا لا نقول بوجوب الاتباع واقعا إلا لمن كان محقا في دعواه بحسب الواقع وأنت خبير بوهن كل من الوجهين المذكورين أما الأول فبأن ضرورة العقل قاضية بوجوب النظر في المعجزة بعد دعواه النبوة وإبدائه وجوب اتباعه ولزوم الخسران العظيم على ترك متابعته وأن له بينة واضحة على دعواه يعرفها إلى نظر إليها فإن وجوب النظر في مثله مما لا يقضي به ضرورة الفطرة الإنسانية من دون حاجة إلى نظر وترتيب مقدمات ضرورة حصول الخوف من الضرر كلامه ووجوب التحرز مع خوف المضرة سيما مثل تلك المضرة العظيمة الدائمة من الضروريات الجلية والفطريات الأولية ولا يتوقف إشارة الصدق من المعجزة على شيء من المقدمات المذكورة بل هي مما يتفرع عليها حسبما مرت الإشارة إليه وأما الثاني فبأن مجرد وجوبه في الواقع لا يوجب ارتفاع وتوضيح المقام أن هناك وجوبا واقعيا يتعلق الحكم به في الظاهر وكان معذورا في عدم الأخذ به من جهة جهالته وجوبا تكليفيا يتعلق الحكم به في ظاهر الحال وإن لم يجب ذلك بحسب الواقع ويثبت ذلك الوجوب في الظاهر من جهة الاحتياط وغيره من الجهات والإقحام إنما يترتب على انتفاء الأخير وإن صادف وجوب الأول إذ لا يتم الحجة على المكلف بمجرد وجوب النظر في الواقع من دون علم المكلف وإلا قيام الحجة عليه في الظاهر فهو لا يدفع الإقحام إذ لا فائدة في وجوبه بحسب الواقع مع انتفاء التكليف عن المكلف بحسب الظاهر لثبوت العذر له حينئذ في تركه من جهة